المقرر الدراسي الجزائري يكشف الحقيقة: منجم غار جبيلات للحديد مشروع مشترك مع المغرب وقفا لمعاهدة دولية

في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كان التلميذ الجزائري في السنة الرابعة متوسط يدرس كتابا رسميا أصدره المعهد التربوي الوطني تحت إشراف وزارة التربية الوطنية، بعنوان “الجغرافيا – المغرب العربي”. هذا الكتاب لم يكن مجرد أداة تعليمية، بل وثيقة سياسية اقتصادية تعكس التوجه الرسمي للدولة الجزائرية في تلك الحقبة. ومن أبرز ما جاء فيه: اعتراف صريح بوجود اتفاقيات اقتصادية مع المغرب تخص استغلال منجم غار جبيلات في تندوف، مع تأكيد أن التصدير سيكون عبر الموانئ المغربية.
الأهم من ذلك أن هذه النوايا تُرجمت إلى واقع دبلوماسي في معاهدة دولية وُقعت بالرباط يوم 15 يونيو 1972 بين الجزائر والمغرب، لتنظيم استغلال منجم غار جبيلات وتصدير إنتاجه نحو الأسواق العالمية.
المقرر الدراسي شاهد رسمي
النص الوارد في صفحة 144 من الكتاب المدرسي يقول:
“ومما يُلاحظ أن التفكير حاليا في استغلال هذا المنجم الذي تم اكتشافه في سنة 1952 لا يزال بعيدا، ومع هذا فإن الاتفاقيات الاقتصادية لسنة 1969 التي تمت مع المغرب الأقصى ستعيد الأمل في استغلال وتصدير الإنتاج عن طريق المغرب.”
وبينما أشار المقرر إلى اتفاقيات 1969، فإن الواقع الدبلوماسي عُزز لاحقا بـ معاهدة الرباط (1972)، ما يرسخ الطابع القانوني لهذه الالتزامات. هذه ليست مجرد روايات، بل وثائق رسمية تم إقرارها في المناهج الدراسية الجزائرية، مما يجعلها شاهداً تاريخياً لا يمكن إنكاره.
غار جبيلات: ثروة مؤجلة ورهينة السياسة
المنجم الذي اكتُشف سنة 1952 ظل لعقود مجمدا بسبب غياب البنية التحتية المناسبة. وكان الحل الوحيد هو التعاون مع المغرب الذي يملك الموانئ الأطلسية القادرة على ربطه بالأسواق الدولية. هذا ما نصت عليه اتفاقية 1972 بالرباط، لتكون تجسيدا لرؤية مغاربية قائمة على التكامل لا التنافر.
لكن، بدلا من استثمار هذه الثروة في مشروع إقليمي مشترك، اختار النظام العسكري لاحقا سياسة الانغلاق والتوتر، مجمدا الاتفاقية عمليا، دون أن يجرؤ على إعلان انسحاب رسمي منها.
التناقض الصارخ اليوم
في السنوات الأخيرة، وقعت الجزائر اتفاقيات شراكة مع الصين لاستغلال غار جبيلات، متجاهلة تماما الاتفاق التاريخي مع المغرب. هذه الخطوة تطرح إشكاليات خطيرة:
-هل يمكن للجزائر أن تبرم اتفاقيات جديدة وهي ما تزال مرتبطة بمعاهدة دولية سابقة؟
-ما هو الوضع القانوني لاتفاقية الرباط 1972؟
-هل أعلنت الجزائر يوما انسحابها أو إلغاءها لهذه الاتفاقية بشكل رسمي أمام المجتمع الدولي؟
السؤال الحاسم
بين ما كانت الجزائر تدرسه لتلاميذها في السبعينيات والثمانينيات وبين ما تقوم به اليوم، يظهر التناقض الفاضح:
-بالأمس كانت تعترف رسميا، عبر المقررات الدراسية ومعاهدة الرباط (1972)، بأن غار جبيلات مشروع مشترك مع المغرب.
-واليوم تتصرف وكأن شيئا لم يكن، وتبرم شراكات منفردة مع الصين.
وهنا يبرز السؤال الذي يضع النظام أمام مسؤوليته التاريخية والقانونية:
هل ألغت الدولة الجزائرية أو انسحبت رسميا من المعاهدة الدولية التي وقعتها بالرباط مع المغرب يوم 15 يونيو 1972، حتى تقيم اتفاقيات شراكة مع دول أخرى؟
سؤال سيبقى معلقا، ما لم تجب عنه السلطة الجزائرية بوضوح أمام الرأي العام المحلي والدولي.